الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 39 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 39 ] ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) استئناف ابتدائي كالفذلكة لما تقدم من وعيد ووعد ، إنذار وتبشير ، سيق مساق التنويه ب يَوْمَ الْفَصْلِ [ النبأ : 17 ] . الذي ابتدئ الكلام عليه من قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [ النبأ : 17 ] . والمقصود التنويه بعظيم ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم وجود الإنسان في الأرض . فوصف اليوم بالحق يجوز أن يراد به الثابت الواقع كما في قوله تعالى : وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 6 ] قوله آنفا : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ، فيكون الْحَقُّ بمعنى الثابت مثل ما في قوله تعالى : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [ الأنبياء : 97 ] . ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل ، أي العدل وفصل القضاء فيكون وصف اليوم به على وجه المجاز العقلي إذ الحق يقع فيه واليوم ظرف له قال تعالى : يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [ الممتحنة : 3 ] . ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل : يوم حليمة ، ويوم بعاث . والمعنى : ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال : يوم ، وليس كأيام انتصار الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى : ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ [ التغابن : 9 ] ، فهو يوم انتقام اللّه من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا به عبيده في الإلهية ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [ البقرة : 121 ] ، أي التلاوة الحقيقة باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلوّ وأغراضه . والإشارة بقوله : ذلِكَ إلى اليوم المتقدم في قوله : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً [ النبأ : 17 ] . ومفاد اسم الإشارة في مثل هذا المقام التنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيوصف به بسبب ما سبق من حكاية شؤونه كما في قوله تعالى : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] بعد قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى قوله : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 2 - 4 ] ، فلأجل جميع ما وصف به يَوْمَ الْفَصْلِ كان حقيقا بأن يوصف بأنه الْيَوْمُ الْحَقُّ وما تفرع عن ذلك من قوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً وتعريف الْيَوْمُ باللام للدلالة على معنى الكمال ، أي هو الأعظم من بين ما يعده الناس من أيام النصر للمنتصرين لأنه يوم يجمع فيه الناس كلهم ويعطى كل واحد منهم ما